صبحي الصالح

56

مباحث في علوم القرآن

فقال : « قيل : أنزلت التوراة جملة ، لأنها نزلت على نبي يقرأ ويكتب - وهو موسى - وأنزل القرآن مفرّقا لأنّه أنزل غير مكتوب على نبي أمي » « 1 » . وأما تجاوب الوحي مع المؤمنين على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ففي القرآن منه صور متنوعة ، وألوان متباينة ، تلتقي كلها عند غاية واحدة : وهي رعاية حال المخاطبين ، وتلبية حاجاتهم في مجتمعهم الجديد الآخذ في الازدهار ، وعدم مفاجأتهم بتشريعات وعادات وأخلاق لا عهد لهم بمثلها . وقد أشار إلى هذا مكي « 2 » في « الناسخ والمنسوخ » حين لاحظ أن نزول القرآن « أدعى إلى قبوله إذا نزل على التدريج ، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة ، فإنّه كان ينفر من قبوله كثير من الناس لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي . ويوضح ذلك ما أخرجه البخاري « 3 » عن عائشة قالت : إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام . ولو نزل أول شيء « لا تشربوا الخمر » لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل « لا تزنوا » لقالوا لا ندع الزنى أبدا » « 4 » . وظاهر كلام السيدة عائشة في قولها هذا أنها جمعت بين تحريم الخمر وتحريم الزنى بالتدريج ، فيخيّل إلى السامع أن تحريم الزنى لم يتم إلا على مراحل كالخمر ، وليس ذلك بصحيح ولا هو مراد بنت الصدّيق ، فإنها رضي اللّه عنها كانت تعلم أن الزنى حرم دفعة واحدة ، في خطوة واحدة

--> - أكثر من مائة كتاب . توفي سنة 604 انظر إنباه الرواة 3 / 110 وشذرات الذهب 3 / 181 - 182 وابن خلكان 1 / 482 ) . ( 1 ) الاتقان 1 / 71 نقلا عن البرهان 1 / 231 . ( 2 ) هو مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار القيسي المقرئ . يكنى أبا محمد ، وأصله من القيروان . كثير التأليف في علوم القرآن والعربية . سكن قرطبة ورحل إلى مصر مرتين . وتوفي سنة 437 . ينسب إليه السيوطي كتابا في « الناسخ والمنسوخ » منه اقتبس هذه العبارة المذكورة أعلاه . ويذكر له القفطي عددا من المؤلفات منها « انتخاب كتاب الجرجاني في نظم القرآن » . انظر إنباه الرواة 3 / 313 - 319 وشذرات الذهب 3 / 260 - 261 ووفيات الأعيان 2 / 120 - 121 . ( 3 ) صحيح البخاري 6 / 185 . ( 4 ) الاتقان 1 / 73 .